محمد جواد مغنية
338
في ظلال نهج البلاغة
وتجدر الإشارة إلى أن مراد الإمام ( ع ) من قوله هذا مجرد الرد على قريش ، وإبطال قولهم بأنهم أولى بالنبي لقربهم منه نسبا وعشيرة . . ومن أقوال الإمام : واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة . . ان ولي محمد ( ص ) من أطاع اللَّه وان بعدت لحمته ، وان عدو محمد من عصى اللَّه وان قربت قرابته . ومن تتبع المناقشات التي دارت في السقيفة حول الخلافة يرى أنه لا مصدر للاختلاف بين المهاجرين والأنصار إلا المصلحة الشخصية وإلا الدنيا وزهرتها ، فالمهاجر كان يحتج ويزهو بقرابة النبي ( ص ) والأنصاري كان يحتج ويزهو بأنه آوى النبي ( ص ) . . أما مصلحة الاسلام والمسلمين فما أشار إليها واحد من الجانبين . . ومن أجل هذا عارض خلافة الخلفاء الذين لا يستطيعون العيش بحرية وكرامة إلا في ظل العدل والمساواة ، والقرآن الكريم يطلق على هؤلاء كلمة المستضعفين ، وقد أمر بقتال الأقوياء الطغاة من أجل تحريرهم من الظلم والبغي في الآية 75 من سورة النساء : * ( وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) * . وكان هؤلاء المستضعفون من الرواد الأوائل للاسلام ومن أقوى وأصلب جنوده ، وتحملوا في سبيله الكثير من العذاب والتنكيل كعمّار وسلمان وأبي ذر وغيرهم من العبيد والمستضعفين ، وتطلق اليوم كلمة اليسار على من يمثل آمالهم ويطالب بالمساواة بينهم وبين الأقوياء . وقال الأستاذ أحمد عباس صالح في مجلة « الكاتب » المصرية عدد كانون الثاني سنة 1965 : « ان اليمين كله قد رحب بخلافة أبي بكر . . وترحيب اليمين بهذه الخلافة والاسراع بتأييدها ليس له إلا معنى واحد ، وهو ان غالبية المسلمين كانوا مع الاتجاه اليساري الذي يمثله علي بن أبي طالب وأصحابه ، أعني ان جماهير المسلمين العريصة كانت مع هذا الاتجاه ، لأن النبي ( ص ) نفسه كان زعيمه وواضع مبادئه الأساسية ، وأي اتجاه مضاد كان سيقابل بالعنف ، وكان سيقضى عليه في المهد ، ولذلك جاءت خلافة أبي بكر فرصة ليستجمع اليمين فيها قواه ، ويرتب أمره للوثوب على الحكم بعد ان قضى النبي الذي لم يجرؤ أحد في حياته أن ينحرف بالدعوة إلى اتجاه غير اتجاهها . لهذا وافق اليمين على البيعة لأبي بكر ، بل رحب بها وعمل على نجاحها بينما عارضها اليسار ، وعلى رأسه علي بن أبي طالب ، معارضة صريحة » .